محمد متولي الشعراوي
6310
تفسير الشعراوى
مؤمنين ، فخشى العبد الصالح أن يرهقهما طغيانا وكفرا ، فهذا الولد كان فتنة ، ولعله كان سيدفع أبويه إلى كل محرم ، ويأتي لهما بالشقاء « 1 » . إذن : فالمؤمن الحق هو الذي يستحضر ثواب المصيبة لحظة وقوعها . ومنّا من قرأ قصة المؤمن الصالح الذي سار في الطريق من المدينة إلى دمشق ، فأصيبت رجله بجرح وتلوث هذا الجرح ، وامتلأ بالصديد مما يقال عنه في الاصطلاح الحديث « غرغرينة » وقرر الأطباء أن تقطع رجله ، وحاولوا أن يعطوه « مرقّدا » أي : مادة تخدّره ، وتغيب به عن الوعي ؛ ليتحمل ألم بتر الساق ، فرفض العبد الصالح وقال : إني لا أحب أن أغفل عن ربى طرفة عين . ومثل هذا العبد يعطيه اللّه سبحانه وتعالى طاقة على تحمّل الألم ؛ لأنه يستحضر دائما وجوده في معية اللّه ، ومفاض عليه من قدرة اللّه وقوته سبحانه . وحينما قطع الأطباء رجله ، وأرادوا أن يكفنوها وأن يدفنوها ، فطلب أن يراها قبل أن يفعلوا ذلك ، وأمسكها ليقول : اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو ، فإني قد عوفيت في أعضاء . إذن : فصاحب المصيبة حين يستحضر الجزاء عليها ، إنما يحيا في متعة ،
--> ( 1 ) يقول رب العزة سبحانه في سورة الكهف عن موسى عليه السّلام والعبد الصالح الذي صحبه موسى ليتعلم منه : فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ( 74 ) قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 75 ) [ الكهف ] . ويقول سبحانه على لسان العبد الصالح : . . سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ( 78 ) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ( 79 ) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً ( 80 ) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ( 81 ) [ الكهف ] .